Monday, 24 October 2016

دعوة إلى ثورة في مجال التربية

تقتضي قراءة واقع التعليم وسياساته في الوطن العربي تحليل الخطاب التربوي المتحكِّم بهذا الواقع والمُنتِج لتلك السياسات. ويتحقّق تحليل الخطاب من خلال الانفتاح على مستوياته المعرفية والفلسفية واللغوية والسيمائية كافّة، فضلاً عن إطاره السوسيوثقافي والجيوسياسي، لأنّ تحليل الخطاب يعكس واقع المجتمع العربي وبنيته الحضارية والسياسية وإفرازاتها على مستويات البناء المؤسّسي والثقافي في مجالات العمل السياسي والعمل التعليمي، فالتعليم المدرسي هو في جوهره عمل سياسي مقصود ومنظَّم.
للخطاب التربوي رؤية فلسفية وأبعاد وتحوّلات، كما أنّ له طبيعة مرجعية يمكن تحديدها بصورة مباشرة أو تأويلية، ومن ثمّ فإنّ لكلّ خطاب تربوي فلسفة وإيديولوجية تُحدِّد أولويّاته وموضوعاته وقوّته، وتُفاضل بين مفردات اللغة التعبيرية التي تُنتِج شكل الخطاب وتوحي بمضمونه أيضاً. ويجمع الباحثون على أنّ الخطاب التربوي يُقسَّم، من حيث طبيعته وتوجّهاته المجتمعية والسياسية والإيديولوجية إلى:
  • الخطاب الرسمي: وهو خطاب يسعى إلى تحقيق الإجماع الوطني والوحدة القومية حول النظام السياسي وتوجّهاته الفكرية والاجتماعية، ويهدف إلى تكوين الأفراد مهنياً، بحيث يوفّر للوطن ما يحتاج إليه من أيدٍ عاملة وكوادر، وهو في الغالب يتّصف بالتفاؤلية والإصلاحية (روبول، اليفي، لغة التربية).
  • الخطاب التربوي النقدي: وهو الخطاب النقيض للخطاب الرسمي، ويقوم على نقد المؤسّسة، وانتقاد ما هو سائد، وهو ضدّ النموذج الرسمي للخطاب التربوي، والغاية منه التغيير الثوري، والعمل على بناء مجتمع مثالي خالٍ من الهيمنة الطبقية والإيديولوجية.
  • الخطاب الإنساني المتجدّد والوظيفي: وهو يتّسم بالدقّة والفاعلية، وينطلق من الطالب ومن الحياة ومن تربية إجمالية وجمالية، ويهدف إلى التفتّح والتعاون والديمقراطية والتأثير في السياق الاجتماعي والثقافي، والعمل على خلق تعليمٍ يقود التنمية، ويوفّر أسس حياة تقوم على مفاهيم الحرّيات وحقوق الإنسان.
واقع الخطاب التربوي العربي
في هذه المرحلة الحسّاسة والدقيقة من تاريخ التطوّر الحضاري للمنطقة، ولاسيّما بعد ثورات الربيع العربي، يمكننا التمييز بين خطابَيْن تربويَّيْن يُهيمنان في الساحة الفكرية التربوية، وهما:
  • الخطاب التقليدي السائد الذي يُعلي من شأن الأوضاع التربوية القائمة، ويتجلّى بقوّة في الكتابات العربية التربوية، حيث يقوم عددٌ كبيرٌ من التربويين العرب بتقديم أنظمتهم التربوية على أنّها الأفضل عالمياً والأجود عربياً. ويأتي ذلك بتأثير عددٍ من المتغيّرات الاجتماعية والفكرية والسياسية. ويشكّل هذا الاتّجاه أحد أخطر عوامل الأزمة الحضارية والتربوية في العالم العربي وأشدّها فتكاً وتدميراً، انطلاقاً من كونه جبهة رفض التوجّهات النقدية والعقلانية للتربية العربية.
  • الخطاب التربوي ذو الطابع النقدي، ويمثّل هذا الاتجاه طليعةٌ من المفكّرين الذين تناولوا التربية العربية من منظور نقدي. وتتمثّل أزمة الفكر النقدي التربوي في نمط من الشعارات التي لم تتغيّر والمقولات التي لم تتبدّل على مرّ الزمن. وهذه الأزمة تشكّل المهاد الحقيقي لأزمة ثقافية تربوية تتمثّل في عقلية تقليدية مضادّة للتجديد والتطوير، كما تتمثّل في تغييبٍ كبير لكلّ مقوّمات الفكر النقدي والفلسفي والانكفاء على منظومة من الرؤى والمقولات المتقادمة تاريخياً.
مظاهر الأزمة الراهنة
تتنوّع مظاهر أزمة الخطاب التربوي العربي لتتضمّن:
  • عجز الخطاب التربوي والنُّظم التعليمية العربية عن مجابهة المشكلات الكبرى التي يعاني منها الواقع العربي، وعجزه عن الانخراط في قراءة الواقع الاجتماعي والحضاري لصياغة خطاب فكري تساؤلي نوعي يُسهم في تغيير هذا الواقع طبقاً لرؤية علمية.
  • عجز النظام التربوي عن التأسيس لثقافةٍ تُسهم في الديمقراطية الحقيقية للمجتمع العربي، وفي تكريس مبادئ التكافؤ الشامل في الفرص التعليمية والاجتماعية. كما أنّ استقراء واقع المدرسة العربية يؤكّد على تقصير الخطاب التربوي العربي عن تحقيق العدالة التعليمية كمقدّمة لتحقيق نوع من تكافؤ الفرص من جهة، وتقصيره في إبداع أشكال وهياكل وصيغ تُمأسِس للديمقراطية، وتعمل على تأصيلها عربياً من جهة أخرى.
  • انفصال مضامين التربية وغاياتها وتوجّهات التعليم وكيفيّاته عن الأوضاع الثقافية والاجتماعية، والعمل على تسييد مفاهيم تعليمية وتوجّهات تربوية سلطوية المضمون غيبيّة الشكل، وذلك يرجع إلى تحكّم التوجّهات الآتية في الخطاب التربوي وعمل المؤسّسات التربوية:
  • التركيز على المعرفة التقنية وتأهيل الكوادر البشرية، وذلك بسبب الهيمنة التكنولوجية على الثقافة المعولَمة، والإهمال المتعمَّد لقضايا الإنسان والمجتمع.
  • ابتعاد المدرسة عن المجتمع، وتقلّص دورها كمؤسّسة فاعلة فيه تهدف إلى تفعيل الحراك الاجتماعي، والعمل على الوصول إلى المهمَّشين للارتقاء بهم نحو تحقيق نوع من تكافؤ الفرص بغية إحداث نقل الفعل التعليمي من فعل يُنشئ نُخباً إلى فعلٍ يؤنْسِن المجتمع.
  • واقع المدرسة العربية حيث تقدّم المعارف بشكل منفصل ومتباعد، وانفصال المعارف المدرسية عن تجربة الناس وعن واقع الثقافة المجتمعية. فلم تُسهِم الثقافة المدرسية في بناء الإنسان أو المواطن ذي الشخصية الفاعلة، المنسجمة وعياً وسلوكاً وتصوّراً مع مهمّته لمواجهة الواقع والمستقبل.
  • عدم إسهام الفعل المدرسي ومخرجاته في تحديث قطاعات العمل والتنمية ولا في تغذية الطاقات الإنتاجية والاقتصادية والثقافية وتنميتها، وانفصال مخرجات النظام التعليمي العربي عن واقع احتياجات المجتمع، ما أدّى إلى الإبقاء على حالة التخلّف الاقتصادي والثقافي والفنّي من جهة، وإلى تكديس حملة الشهادات العاطلين عن العمل من جهة ثانية، وهجرة معظم الكفاءات إلى خارج المجتمعات العربية.
أسباب الأزمة الراهنة
إنّ أحد أبرز العوامل التي أثّرت على الخطاب والعمل التربوي هو غياب المشروع المجتمعي الواضح. فثمّة ضبابية في الرؤى والغايات، ما أبقى العمل التربوي رهين الجدل وعشرات الرؤى التي تشير إلى خللٍ فكري في قضايا مثل: ما نوع التنمية المطلوبة؟ ما هي طبيعتها وحدودها؟ أهي نخبوية أم شعبية أم هي بشرية أم مُستدامة؟ وهناك أيضاً إشكاليات أخرى مثل إشكالية الديمقراطية، التي تدلّل على الاختلاف المنهجي والاختلاف في المرجعيات، والأسس الكبرى.
أبعاد الأزمة الراهنة
إنّ أزمة الخطاب التربوي العربي هي أزمة سياسية اجتماعية تمثّل أزمة النُّظم السياسية العربية القائمة. وهناك آليات عدّة ساعدت على تكوين الأزمة الراهنة:
  • المعرفة المدرسية والخطاب التربوي
تكشف النظرة الفاحصة للفعل المدرسي العربي الأهمّية المحورية للكتاب المدرسي كمقرَّر ولعمليات التلخيص والتلقين، وتحويل المعرفة إلى معلومة تُلقَّن وتُخزَن، عبر الخطابات الصفّية المستهلَكة وغير الفاعلة، والتي تكرّست لأسبابٍ إيديولوجية، ولأخرى سياسية تُعنى بالحقيقة الواحدة، فضلاً عن الأسباب الثقافية التي تستند إلى المطلق والجاهز ولا تؤمِن بالحوار والبحث والسعي وراء المعرفة.
  • المعلّم والخطاب التربوي العربي
ثمّة صورة يتمّ تكريسها للمعلّم في الذهن العام تحطّ من مكانته ومن رسالته التنويرية والتغييرية، وهي صورة تؤثّر سلباً على وعي المعلّم، في ظلّ هشاشة الخطاب التربوي، وتدنّي إمكانيات المدرسة، وفي ظلّ غياب العوامل المادية والمعنوية لتفعيل دور المعلّم والحفاظ على رسالته، والذي يتمّ تصويره كأنّه سبب الأزمة الراهنة وجوهرها مع أنّه أحد مظاهرها وتجلّياتها (عبد العزيز عبد الله الجلال، "مكانة المعلّم الخليجي و انتماؤه لمهنته"، مجلّة المعرفة، العدد 75 سبتمبر 2001).
واغتراب المعلّم عن مهنته – بحسب الجلال أيضاً – ليس بسبب تدنّي راتبه أو قلّة الموارد المادية التعليمية، ولا بسبب حرمانه من حقوقه النقابية والوظيفية – على أهمّيتها – فحسب، بل بسبب ما يعانيه من إهمال من قبل الخطاب السائد والمسيطر. فالمعلّم لا يشارك في اتّخاذ القرار في المدرسة، بل يخضع لتعليمات محدَّدة، ولتقييمٍ من قبل جهات متنوّعة من دون إعطائه أهمّية في الاختيارات التربوية والتضييق المستمرّ لهامش الحرّية المسموح وهو لذلك "يفقد شخصيّته وثقته بنفسه".
  • الطالب والخطاب التربوي
إنّ اهتمام الخطاب التربوي العربي بالمعارف واعتماده على النقل والتلقين وسيلةً، جَعَل هذا الخطاب ينعزل عن الطالب، ومَنَع الطالب من أن يكون محوراً للعمليّة التعليمية، وبالتالي مَنَع تحقيق التعليم كحوارٍ وكممارسة بحثية استقصائية وتأمّلية.
تغيير جذريّ
من الملاحظات الدالّة على عمق أزمة الخطاب التربوي العربي، هناك التصاعد المستمرّ في الحديث عن تلك الأزمة وعن خطابات الإصلاح؛ ومن أهمّ مظاهر تلك الأزمة التي تشير إلى عمقها و استفحالها هو موقف خطاب الإصلاح منها، حيث يتعامل معها على أنّها أزمة طارئة وذات طبيعة تقنية وشكلية. وهذا الخطاب الإصلاحي هو نفسه جزء من الأزمة لأنّه يسطّحها ويخفي حقيقتها بما أنّها أزمة بنيوية تمتدّ جذورها في مختلف البنيات التربوية، وفي أنماط القول والخطاب التي تحكمها وتسيّرها، والأطر السوسيوثقافية المحدِّدة لها.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الأزمة الراهنة هي مجرّد خلل وظيفي طارئ يمكن تجاوزه وإصلاحه من خلال بعض التغييرات والإصلاحات، أم أنها مجموعة من العوائق والعراقيل والمشكلات البنيوية التي تأصّلت في بنية النظام التربوي نفسه ما يتطلّب إجراء تغييرات عميقة وبنيوية أم أنها أعمق وأبعد من ذلك، حيث يمكن وصفها بأنّها أزمة شولية متعدّدة العوامل وتتّسم بالتشابك العلاقاتي المركّب؟
يرى كثرٌ أنّ الإصلاح التربوي الفعّال والقادر على تجاوز ما يسمّى أزمة التعليم في المجتمعات العربية هو ذلك الإصلاح الراديكالي الذي يقوم على تضافر كلّ الجهود الوطنية في استغلال كلّ المصادر التربوية المتاحة في المجتمع وكلّ الأنماط والوسائل التعليميّة الممكن استغلالها استغلالاً فعّالاً لتحقيق التنمية القومية الشاملة. والإصلاح التربوي بهذا المعنى هو بالأحرى مسألة نضال سياسي واجتماعي تقوم به الجماهير الواعية في إطار حركة تغيير شامل.
من هذا المنطلق فإنّنا لا نحتاج إلى تطوير أو إصلاح أو ترقيع، بل نحتاج إلى تغيير جذريّ (تثوير) تربويّ حقيقيّ، وإلى هدم أركان النظام التربوي القائم وإعادة بنائه على أُسسٍ حضارية إنسانية جديدة تتجاوب مع تطلّعات المجتمع وطموحاته الكبرى في عالمٍ لا يعرف غير التقدّم والتطوّر والحداثة والثورة. إنّنا في عالمٍ يطفح بالثورات في مختلف الميادين (ثورة الميديا والجينات وثورة المعرفة والثورة الرقمية…). وتتطلّب هذه الثورات المعرفية اليوم، وأكثر من أيّ وقت مضى، ثورة في مجال التربية والمعرفة، ثورة إبيستمولوجية تحطّم كلّ عوامل الجمود والانغلاق والعبثية والصراعات الإيديولوجية من أجل بناء مجتمع حضاري متقدّم ينطلق على مسارات تربوية بعيدة المدى.
 
*مدرّس أصول التربية
كلّية التربية – جامعة الإسكندرية

No comments:

Post a Comment